قراءة محايدة | تحليل مستقل | ٢٠٢٦
في غضون أسابيع قليلة تحول مضيق هرمز من شريان للطاقة العالمية إلى ساحة مساومة سياسية وعسكرية غير مسبوقة. والسؤال الحقيقي الذي بدأ يدور في حينه! ما الذي يجري حقاً، وإلى أين تسير الأمور ؟
على الرغم من أن مضيق هرمز في أضيق نقاطه لا يتجاوز طوله إحدى وعشرين ميلاً، إلا أن هذه المسافة الضيقة تحمل على كاهلها قرابة خُمس نفط العالم ومثلها من الغاز الطبيعي المسال. وفي الحقيقة فإن هرمز لم يكن يوماً مجرد ممر مائي؛ بل كان يشكل نقطة الضعف في منظومة الطاقة العالمية، والورقة التي يلوح بها الإيرانيين كلما اشتد عليهم التهديد الأجنبي. ولكن ما جرى منذ بدأت الحرب الصهيوغربية الإيرانية تجاوز كل التلويحات السابقة، وانتقل من مرحلة التهديد بالإغلاق إلى الإغلاق الفعلي في تجاوز للتوقعات الاستراتيجية، وانتقل بعدها إلى الإدارة الحكومية الإيرانية.
في أواخر العام الماضي أطلقت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضربات موسعة على الأراضي الإيرانية، والتي طالت منشآت عسكرية ونووية وبنك من القيادات رفيعة المستوى في إيران. وجاء الرد الإيراني بشكل خالف كل التوقعات، إذ بدأ بإغلاق هرمز أمام السفن الأجنبية لبضعة أيام بشكل هزّ كيان أسواق الطاقة مما أدّى إلى ارتفاع أسعار النفط وصولاً إلى مستويات المئة دولار للبرميل، وتزامن معها تكدس مئات ناقلات النفط عند مداخل الخليج العربي في مشهد لم تره المضائق البحرية وأسواق الطاقة منذ عقود. وشكل هذا التحول تغير جذري في قواعد الاشتباك الجيوسياسية، ولم يعد مجرد تصعيد تكتيكي محدود.
يمكن القول بصريح العبارة بأن هرمز لم يتحوّل إلى ساحة حرب فحسب، بل أصبح عبارة عن طاولة تفاوض تسبح فوق سطح الماء، ونشأ من خلالها ما يمكن تسميته بالحصار المرن ويصف هذا المصطلح حالة من السيطرة الجزئية والمتحولة على ممر مائي دولي، لتصبح كمنطقة رمادية تشترط فيها الدولة المسيطرة شروط سياسية أو مالية متغيرة مقابل السماح بالمرور، مما يحول الممر من فضاء دولي مشترك إلى أداة ضغط انتقائية تتأثر بمسار المفاوضات.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت الأحداث بشكل دراماتيكي؛ وبعد تهديد ووعيد ومطالبات متكررة من الرئيس الأمريكي بشأن إعادة فتح المضيق، أعلنت واشنطن رد فعل معاكس في أبريل الماضي من خلال فرض حصار بحري مضاد على الموانئ الإيرانية، ونشأ حينها ما أطلق عليه الحصار المزدوج كما وصفه المراقبين! إذ منعت طهران الخروج من الخليج العربي، ومنعت واشنطن الدخول إلى الخليج العربي كرد فعل. ثم جاءت هدنة مهترئة على شكل وقف لإطلاق النار المؤقت لأسبوعين بوساطة باكستانية، والتي أدت إلى إعادة فتح المضيق بشكل جزئي، ولكن سرعان ما تصدعت الهدنة بعد تبادل اتهامات بالخرق وضربات متفرقة عند مداخل المضيق.
ولأن طهران لا تطالب بوقف الضربات فقط! بل تسعى إلى انتزاع اعتراف ضمني بحقها في إدارة المضيق، وهو ما يعبر عنه المسؤولين الإيرانيين حيث يؤكدون أن المضيق سيبقى تحت إدارة طهران حتى في ظل أي اتفاق، وقد عبرت عن ذلك بشكل مباشر من خلال انشاء هيئة إدارة المضيق. في المقابل، تشترط واشنطن ضمان عدم سيطرة طهران على المضيق وعودة الملاحة إلى مستوياتها قبل الأزمة كشرط أساسي لأي حوار. بيد أن هذا التناقض في المواقف هو أساس الجمود الحالي. وهذا ما يجعل الوضع الراهن مختلفاً عن كل أزمات هرمز السابقة.
من زاوية أخرى تقف دول الخليج العربي في موقف بالغ الحساسية. حيث ارتفعت عوائد النفط والغاز مع ارتفاع أسعار الطاقة إلا أن ذلك لن يأتي بكل سهولة بطبيعة الحال، بل كانت الضريبة هي تعطل الملاحة البحرية وتهديد الاقتصاد والبنية التحتية الإقليمية برمّتها والذي تسبب بتكاليف باهظة. وتحافظ بعض دول الخليج على مسافة آمنة من المواجهة المباشرة مع طهران والغرب والوقوف موقف الحياد لضمان استمرارية التجارة عبر قنوات بديلة. وبعضها الآخر يحاول الاحتفاظ بخط تواصل مفتوح مع طهران، كما ظهر في بعض مسودات الاتفاقيات. وفي حقيقة الأمر فقد كشفت الأزمة أن دول الخليج ليست طرفاً منسجماً، بل لكل منها وجهة نظر وحسابات مختلفة على الرغم من استمرار التنسيق مع واشنطن.
أما على الصعيد الدولي، ولأن الأزمة أدت إلى واحدة من أكبر التوترات حدّيه في أسواق الطاقة منذ صدمة النفط في السبعينات. فقد وجدت الصين نفسها كأكبر مستورد للنفط الإيراني أمام معادلة صعبة بين مصالحها الاقتصادية المرتبطة بطهران وإدارة علاقتها مع واشنطن. أما روسيا فقد استفادت بشكل مؤقت من ارتفاع الأسعار، إلا أن ضعف الثقة بسلاسل الإمداد شكّل تهديد على خطط النمو الاقتصادي. وبالنسبة لأوروبا، فقد انشغلت باستهلاك الطاقة في شتاء ما بعد الصراع الأوكراني، وواجهت تضارب بين ضغط واشنطن للتدخل وتهديد إيران والضغط التركي بعدم التدخل. والمفارقة أن الأزمة دفعت عدداً من هذه الأطراف إلى تقليل الاعتماد على هرمز عبر دعم خطوط الأنابيب البرية والموانئ البديلة، وهذا التحول البنيوي الذي قد يؤثر بشكل أعمق وأطول على الأزمة، وقد كان المراقبين قد بدأوا يعيدون التفكير في منطقة بين البداية والنهاية، لا الحرب اتسعت إلى مواجهة إقليمية شاملة، ولا الدبلوماسية أسفرت عن تسوية مستدامة. وفي مثل هذه المناطق الرمادية، تتشكل عادة معادلات مختلفة عما كان قبلها.
سيناريوهات المرحلة القادمة
السيناريو الأول، وهو الأكثر ترجيحاً حسب مسار الأحداث، قد يتم التوصل إلى اتفاق إطاري مؤقت يحل أزمة هرمز بشكل جزئي، مع الإبقاء على ملفات النووي ووكلاء طهران ومستقبل النظام والأصول المجمدة دون حلول واضحة، على أن تبقى هذه الموضوعات في مرحلة تفاوض قد تستغرق أشهر. وعبر هذا الاتفاق، ستسعى طهران إلى ترسيخ فكرة الإدارة الإيرانية للمضيق كأمر واقع وقانوني، في حين ستعمل واشنطن على ضمان عدم حدوث هذا الأمر وممارسة الدعاية الإعلامية كجزء من مواجهة هذه الفكرة.
السيناريو الثاني، قد يكون التصعيد المحدود أحد الحلول المطروحة على الطاولة الغربية. وخصوصاً أن إيران للتو خرجت بخسائر عسكرية جوهرية لامست القوى الجوية والبحرية لها، إلاّ أنها أثبتت قدرتها على استعادة بعض قوتها إضافة إلى فرض تكاليف عالية في المضيق ومواجهة كل من يحاول تجاوز المضيق دون السماح له. بمعنى أن أي انهيار في مسار المفاوضات يعني إعادة التصعيد أيضاً من قبل إيران بصرامة ولكن في حدود ضيقة.
أما السيناريو الأخير والأكثر هدوء والأضعف أثراً، فهو أن تكون الأزمة قد تركت المجال للدول إلى إعادة رسم التحالفات ورسم خطوط بديلة لسلاسل الإمداد تلافياً لأي تغيرات جيوسياسية في المنطقة تؤثر على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي، والتي بطبيعة الحال لن تتوقف آثارها بمجرد انحسار الأزمة. بمعنى آخر أن مضيق هرمز لن يعود كما كان عليه ولو أُعِيد فتحه! إن الجغرافيا لا تتغير، لكن قيمتها الاستراتيجية تتغير.
