فسيفساء الداخل الإيراني

قراءة محايدة | تحليل مستقل | ٢٠٢٦

في الحقيقة أن الاستقرار في الداخل الإيراني هشّ ومتوتر، وذلك بسبب التعقيدات العرقية والاجتماعية واللغوية التي تخلق احتقان مستمر تحت السطح، رغم القبضة الأمنية القوية “فسيفساء إيران”

رغم أن الدولة الإيرانية تتبنى هوية “فارسيّة شيعية” مركزية، إلا أن هناك أقليات عرقية كبيرة ومؤثرة وتشعر بالتهميش الثقافي والسياسي، حيث يُعتبر أن التنوع العرقي واللغوي مصدر توتر حقيقي لإيران!

حيث تتشكل الأقليات في الداخل الإيراني من عدة مكوّنات ذات اختلاف في القوة والعمق التاريخيّ والعلاقات بالجوار،

1. الأكراد

لديهم تطلعات انفصالية أو فدرالية أو السعي لإنشاء “دولة مستقلة” وبالتحديد في غرب إيران، حيث تشهد مناطق استقرارهم احتجاجات متكررة، ويستخدمها الغرب لصالحهم أحياناً.

2. البلوش (السُّنة)

تكمن معاناتهم في الفقر والتهميش والعنف الأمني في مناطق استقرارهم “بلوشستان”، وهي من أقل المناطق تطوراً وأكثرها فقراً، وتُستخدمهم دول الخليج لصالحها “على استحياء”.

3. العرب والأحواز (خوزستان)

يتهمون النظام بتهميشهم ثقافياً واقتصادياً! وتتكرر الاحتجاجات في مناطق استقرارهم خاصة في أوقات الجفاف أو تلوث البيئة.

4. الأذريون (الترك)

عددهم كبير جداً ولديهم نفوذ سياسي واقتصادي محدود ولكن على الأقل أفضل من غيرهم، ويطالبون بمزيد من الاعتراف الثقافي واللغوي.

ويعتمد النظام الإيراني على أدوات أمنية واستخباراتية شديدة ويحكم قبضته وسيطرته على الداخل، مما يخلق استقرار ظاهري وقسري يؤدي إلى كيان شعبي مقابل القبضة الأمنية المحكمة. فهناك احتجاجات متكررة ليست فقط على أساس عرقي بل أيضاً لأسباب اجتماعية واقتصادية، مثل ما حدث في احتجاجات 2019 و2022، وكذلك التوترات القوية بين الأغلبية الشيعية والأقليات السنية (البلوش والكرد والتركمان) مما يخلق فجوة طائفية قوية.

بالإضافة إلى أن اللغة الفارسية واستخدامها كلغة رسمية للبلاد (من وجهة نظري) يُعد سبب في شعور الأقليات ذات العرقية المتنوعة بالضعف.

على الرغم من وجود توترات! إلا أن هناك عناصر تساعد على الحفاظ المؤقت على وحدة الدولة؛ فالقوة الأمنية والعسكرية الكبيرة للنظام (الحرس الثوري والباسيج) تُعد عنصر مهم لإدارة الدولة بشكل جيد على الأقل حتى الآن.

أهم عنصر كان يدعم الحكومة الإيرانية في سيطرتها على البلاد هو غياب الدعم الخارجي المنظم للانفصاليين والأقليات حتى الآن، مثل الدور الذي تلعبه إيران في المنطقة بدعمها للأقليات والوصول إلى مرحلة تبني الفكر الشيعي والسعي والإيمان به بشكل قوي.

كما حدث في دعمها للحوثي الزيدي ورعايتها لهم، وقصة التحول إلى الاثني عشرية أو قصة دعم “إسرائيل” لأقليات الدروز في سوريا.

وفي الحقيقة أن إيران ليست دولة مستقرة اجتماعياً في جوهرها، بل تعتمد على قوة الدولة القسرية أكثر من الإجماع الوطني.

إن التنوع العرقي واللغوي لم يُستثمر كتنوع إيجابي لإيران بل يُعامل كخطر أمني. وبالتالي، يبقى الاستقرار الداخلي مؤقت ومحدود ومرتبط بالقبضة الأمنية، وقابل للانفجار عند توفر المحفزات الكافية (أزمات اقتصادية، صراعات داخلية، تدخلات خارجية).