الأقليات كأداة للاختراق

بداية يجب أن نسأل كيف يحول الكيان الصهيوني التنوع الإثني والديني في المنطقة إلى ورقة للتأثير والاختراق، وما الذي يكشفه النموذجين السوري والإيراني عن حدود هذه الاستراتيجية وتكاليفها؟

في حقيقة الأمر إن الحروب لا تخاض بالجيوش وحدها. إذ أن استراتيجية الكيان الصهيوني تقوم على أن ثمة سلاح يعتبر أعمق، وهو العمل على إيجاد حلفاء داخل المجتمعات المستهدفة نفسها. الأقليات المهمشة والمحرومة والباحثة عن حماية أو اعتراف، وبات ذلك رافداً لا يستهان به في المنظومة الاستراتيجية الصهيونية من لبنان إلى سوريا إلى إيران.

التفتيت كحماية

منذ النشأة، يتبنى الكيان الصهيوني مبدأ (تحالف المحيط) وهو العمل على بناء علاقات مع الأقليات والدول غير العربية في المحيط الإقليمي لتخفيف الضغط العربي المباشر. الأكراد والدروز والمسيحيون اللبنانيون وأقليات إيرانية متعددة، جميعها عبارة عن حلقات في سلسلة واحدة. الكيان الصهيوني يقدم هذه العلاقات علناً تحت ذريعة (تقديم الحماية للأقليات المظلومة)، غير أن الدراسات الاستراتيجية الإسرائيلية ذاتها تكشف أن الحسابات الأمنية تسبق الدوافع الإنسانية وتتحكم فيها.

الأقليات في المنظور الصهيوني

الخريطة الإقليمية تزخر بمجموعات إثنية ودينية تتقاطع مصالحها مع مصالح الكيان في أوقات محددة. في سوريا دعم الكيان الصهيوني الأكراد والدروز بشكل علني مبررة ذلك بصيانة الحقوق وتأمين الحدود. أما في لبنان، فقد تركت تجربة جيش لبنان الجنوبي جرح حقيقي في ذاكرة الكيان بعد الانسحاب أواخر القرن الماضي. ومع ذلك، يصف بعض المحللين الصهاينة أنفسهم هذا النهج بأنه قد يفضي على المدى البعيد إلى تفتيت المنطقة إلى كيانات طائفية وإثنية متناحرة بدلاً من استقرارها.

الأكراد

حضور في سوريا والعراق وإيران وتركيا. ويُنظر إليهم كحاجز طبيعي أمام النفوذ الإيراني وتمدد تركيا. يدعمهم الكيان إعلامياً ودبلوماسياً مع دعم أمني انتقائي.

الدروز

حضور في الكيان الصهيوني ذاته وسوريا ولبنان. يخدمون في جيش الكيان في وحدة خاصة ثم تم دمجهم بداخل جيش الاحتلال. وتم استخدامهم كورقة ضغط على سوريا بعد الأسد. أنظر مقال الدروز في سوريا

البلوش الإيرانيون

يقطنون محافظة سيستان وبلوشستان، ويعتبرون العرق الأفقر في إيران. يخوضون صراعات مستمرة مع العاصمة طهران وتتهمهم السلطات الإيرانية بالتنسيق والعمالة مع الموساد، ولهم تواجد كعائلات محدودة في بعض دول الخليج.

الأكراد الإيرانيون

يتعرضون للقمع منذ عام 1979. ويمثلون 12-15% من سكان إيران. يعدّون أحد أهم مسارات التجنيد الاستخباراتي الإسرائيلي داخل إيران ويوجد محاولات مستمرة لاستخدامهم كورقة ضغط وتحريكهم في ملف الحرب الأخيرة بين الطرفين على الحدود العراقية.

الأذريون الإيرانيون

أكبر أقلية في إيران بنحو 30 مليون نسمة. أشار المسؤولون الإيرانيون إلى اتهامهم بالتنسيق مع الكيان خلال التوترات الأخيرة.

مسيحيو لبنان وسوريا

تاريخياً تربطهم علاقات ظرفية مع الكيان دفاعاً عن الوجود. وتقلّصت مع تحولات المشهد لكنها لم تنقطع كلياً وقد تكون جاهزة للعودة مجدداً.

الحالة الإيرانية الأكثر تعقيداً

إيران نموذج استثنائي لهذه الاستراتيجية. إذ يشكل غير الفرس نحو 52% من سكانها (أذريون وأكراد وعرب وبلوش ولور وتركمان). وقد صرّح مسؤولو الموساد صراحة بأن التركيب الإثني لإيران يعد أحد أبرز مفاتيح الاختراق الاستخباراتي. وعمليات التجنيد التي تجري عادة تكون عبر دول مجاورة كتركيا وأرمينيا وأذربيجان. وقد كشفت الأحداث في عام 2025 أن عملاء من الأقليات الإيرانية أسهموا في عمليات الضربات الإسرائيلية، فيما رد النظام بموجة اعتقالات في مناطق الأقليات وصلت بحسب التقارير إلى 700 شخص.

الأقلية المضطهدة ليست مجرد ضحية بل هي في حسابات الاستراتيجيين ورقة ضغط تنتظر من يحسن توظيفها.

قراءة مقارنة

بطبيعة الحال لكل هذه العلاقات وجهان! الأول أن الكيان يوظف هذه المظالم الحقيقية للأقليات لخدمة أهدافه الأمنية. والثاني أن هذه الأقليات ذاتها تحاول توظيف العلاقة مع الكيان لانتزاع اعتراف أو حماية يعجز حامل القضية التقليدي عن تقديمه إلا بدعم قوي. بيد أن المحللين الاستراتيجيين ينبهون إلى أن تعميق هذا النهج قد يرسخ التفتيت الإقليمي، ويحول الدول المتعددة الإثنيات إلى ساحات حرب مزمنة لا إلى شركاء مستقرين.

ما يكسبه الكيان الصهيوني؟

نستطيع القول أن أبرز ما يكسبه الكيان الصهيوني في دعمه للأقليات هو الحصول على شبكات استخباراتية داخل الدول المستهدفة صعبة الاختراق بأدوات أخرى. والعمل على استخدام هذه الأقليات كأوراق ضغط دبلوماسية في المفاوضات الإقليمية والدولية. ومحاولة تشتيت قدرات الأنظمة المعادية داخلياً وإضعاف تماسكها، وسعي الكيان للظهور بصورة (حامي حمى الأقليات) في الخطاب الغربي ومنح الشرعية الإنسانية على العمليات التي يقوم بها.

حدود الاستراتيجية وتكاليفها

تدفع الأقليات المُجنَّدة ثمن عالي من خلال الاعتقال والإعدام والتهجير نظير مبادرتها للسعي لدعم الأقلية بالانضمام إلى صفوف الكيان، وكما أن ذلك يعمق من الانقسامات ويصعب أي محاولات تسوية مستقبلية مستدامة بين الدولة والأقلية كما هي التجربة الدرزية في سوريا؛ وخصوصاً أن الكيان متّهم بالتخلي عن حلفائه حين تنتهي الحاجة لهم (نموذج المسيحيين في لبنان عام 2000) يؤكد ذلك. وبطبيعة الحال يصبح هناك انعكاسات سلبية على العلاقات مع الدول التي تحمل هذه الأقليات (تركيا، العراق) في التعامل مع القضايا التي يكون فيها الكيان طرف.

استشراف

الأداة التي قد تنقلب

مع ما أفرزته الأحداث المتسارعة في 2025-2026 من إضعاف للنفوذ الإيراني الإقليمي، تبدو استراتيجية الأقليات أمام مفترق طرق! إذا استمر النظام الإيراني في توظيف الأزمات الخارجية لتبرير القمع الداخلي، فقد تتحول الأقليات من ورقة إسرائيلية إلى صاعق تغيير يصعب التحكم في توقيته أو اتجاهه. والأرجح أن واشنطن ستزيد من توظيف الأقليات لا سيما الأكراد والبلوش كورقة ضغط موازية للمسار العسكري وخصوصاً في ظل مخطط الكيان وامريكا من سعيهم لتصفية القيادات الإيرانية. لكن المشهد الأكثر إثارة للتأمل هو كلما أحكم الكيان توظيف الأقليات، كلما دفع الأنظمة المستهدفة نحو مزيد من مركزة السلطة وقمع التعددية. استراتيجية التفتيت تزرع بذور اللاستقرار، لكنها في الوقت ذاته تعمق الجراح التي تغذيها.