الشرق الأوسط على طاولة اللعب

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، اندلعت شرارة أخطر مواجهة عسكرية مباشرة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. الولايات المتحدة وإسرائيل أطلقتا حملة جوية ضخمة على إيران، أسقطت المرشد الأعلى خامنئي وعشرات من قادة الحرس الثوري، مستهدفة بنية الدفاع الجوي والمنظومة الصاروخية وأجهزة القيادة والسيطرة. الأمر الذي بدأ كصراع ممتد عبر الوكلاء وتبادلات صاروخية محدودة منذ 2024، وتحوّل اليوم إلى حرب مفتوحة تعيد رسم ملامح الإقليم.

كيف وصلنا إلى هنا؟

في أبريل 2024 جرى أول تبادل مباشر للصواريخ بين إيران وإسرائيل في تاريخ الجمهورية الإسلامية الممتد خمسة وأربعين عام.  ثم جاءت حرب الإثنى عشر يوم في منتصف 2025، التي شهدت ضربات إسرائيلية طالت المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، قبل أن تتدخل واشنطن وتضرب ثلاثة مواقع نووية، وأعلن معها وقف إطلاق نار هش في الرابع والعشرين من نفس الشهر.

لم تصمد تلك الهدنة كثيراً. فور عودة ترامب إلى السلطة عام 2025، استأنف حملة الضغط الأقصى على طهران، وأجرى معها أول محادثات نووية مباشرة منذ انسحابه من الاتفاق عام 2018. غير أن المفاوضات التي جرت في فبراير 2026 بوساطة عمان انهارت بعد أن طالبت واشنطن بوقف تام لكل عمليات التخصيب النووي الإيراني، الأمر الذي رفضته طهران.

الأبعاد والمتغيرات

في الثامن والعشرين من فبراير 2026، شنّت القوات الأمريكية والإسرائيلية مئات الغارات خلال اثنتا عشرة ساعة، استهدفت خلالها المنظومة الصاروخية الإيرانية والدفاعات الجوية والبنية القيادية والعسكرية. ومنذ ذلك الحين، نفذ الجانبان الأمريكي والإسرائيلي ما يقارب ألفي ضربة طالت ست وعشرين من أصل إحدى وثلاثين محافظة إيرانية.

ردّت طهران بضرب إسرائيل وقواعد الجيش الأمريكي المنتشرة في المنطقة، وبالنسبة للصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية فقد طالت سفارات ومنشآت عسكرية أمريكية في دول الخليج والعراق والأردن، فضلاً عن ضرب البنية التحتية النفطية في المنطقة.

أما الهدف المُعلن من الحرب فهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي وتغيير النظام السياسي بالكامل. إسرائيل تسعى إلى انهيار بنية الدولة من الداخل وليس فقط تغيير قيادتها.

وبالنسبة إلى روسيا والصين فقد وقفتا على الضفة المقابلة؛ إذ وصفت بكين الضربات بأنها غير مقبولة، وطالبت بوقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى الحوار، فيما عدّها الكرملين انتهاك صارخ للقانون الدولي. وفي المقابل، رأت دول الخليج الحليفة للولايات المتحدة في الضربات الإيرانية على أراضيها اعتداء سافر، وأكدت حقها في الدفاع عن نفسها رداً على الهجمات الإيرانية.

في حقيقة الأمر تستهدف إيران دول الخليج عمداً لرفع تكلفة الحرب على الجميع، وعلى أمل أن يفضي الضغط الإقليمي إلى إرغام واشنطن على القبول بوقف إطلاق نار قبل انهيار النظام.

أما على الصعيد الاقتصادي! فقد أعادت شركات الشحن رسم مساراتها تجنباً لمضيق هرمز الذي يمر عبره نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالمية،  مما دفع أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ سبتمبر 2023.

السيناريوهات

رغم الخطاب الإيراني المتشدد بشكل علني، غير أن الغموض يسيطر على فكرة من يملك صلاحية إلزام طهران بأي اتفاق في ظل الفوضى القيادية الناجمة عن الضربات المتواصلة.

إن أفسح المجال أمام هدنة، فقد تقدم إيران تنازلات إضافية على الملف النووي، لكن الحرب سترسخ قناعتها باستحالة التخلي عن قدراتها الصاروخية.

الخاتمة

يصعب تحديد أفق زمني واضح لنهاية هذه الحرب. كل المؤشرات تشير إلى أن الصراع سيطول ما لم تتبلور ثلاثة عناصر بداية من وجود قيادة إيرانية قادرة على إبرام تسوية والوفاء بها، ومرونة أمريكية في شروط الاتفاق، وضغط إقليمي ودولي متصاعد يجعل استمرار القتال أكثر كلفةً من وقفه. المشهد الأرجح على المدى المنظور هو صراع منخفض الحدة يتخلله تفاوض متقطع، تتحكم فيه طبيعة القيادة الإيرانية الجديدة ومدى استعداد ترامب للقبول بأقل من الاستسلام الكامل. أما مسار تغيير النظام وهو الهدف المعلن الذي نشأت لأجله الحرب فينطوي على مخاطر فراغ السلطة التي أثبت التاريخ الحديث أن تكاليفها الإنسانية والاستراتيجية دائماً ما تتجاوز حدود من أشعل فتيلها.​​​​​​​​​​​​​​​​