أحمد آل حموض، Ahmed Alhamodh | أغسطس 2025
يعيش المشهد السوري تحوّل سياسي معقد وذلك منذ الأيام الأولى لانهيار النظام السابق في ديسمبر 2024، التحول الذي لم يكن مجرّد تغيير في السلطة بل محطة مفصلية أنهت عقوداً من الحكم الأحادي وأتاحت الفرصة لبدء مرحلة مضطربة في منطقة تحمل بُعد استراتيجي كبير. حيث أدّت التراكمات التي خلّفتها آثار الحرب من تدهور للأوضاع وانسداد الأفق السياسي، وهيمنة الأجهزة الأمنية إلى انهيار بنية حكومة الأسد؛ وذلك وسط توقعات لدى بعض خبراء الوسط السياسي.
منذ ذلك الحين، اتجهت الأنظار نحو الحكومة الانتقالية التي تسلّمت السلطة، الحكومة التي حملت مهمة صعبة تمثلت في إعادة صياغة المشهد السياسي وبناء مؤسسات قادرة على ضبط الأمن وإدارة الشأن العام وتحسين الأوضاع المعيشية وخصوصاً في ظل التركة السيئة التي خلّفتها حكومة الأسد. غير أن غياب مؤسسات قوية تواجه الداخل والخارج وقادرة على إدارة هذا التحول جعل من لحظة الانتصار الشعبي بداية لمسار مليء بالتحديات، حيث بدا اليوم أن الدولة بكل أجهزتها الإدارية والأمنية تقف على حافة التفكك.
في الداخل، هذه المهمة التي اصطدمت منذ بدايتها بواقع معقد، إذ تداخلت الأزمات المعيشية مع التوترات السياسية بدءً من الصراع المسلح بين الطوائف وبعض الجماعات المسلّحة، وتصاعد العنف الطائفي والذي برز في مناطق احتجاج مثل الشمال الشرقي ومحافظة السويداء في دلالة على هشاشة الوضع الأمني، بالإضافة إلى الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية، والنسيج الاجتماعي الممزق بفعل سنوات الحرب الطويلة. وكما أن ملايين السوريين النازحين واللاجئين يشكّلون عبءً على الدولة، إضافة إلى الانهيار شبه الكامل للاقتصاد الوطني، والحاجة إلى مساعدات إنسانية عاجلة لتأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة في بعض المناطق.
أما إقليمياً، فقد أصبحت سوريا ساحة تنافس مفتوحة! حيث وجدت بعض دول المنطقة مصلحة في دعم الحكومة الانتقالية في خطوة استباقية لمواجهة أي خطط دولية تحاول الدخول إلى سوريا واستغلال الضعف السياسي فيها، ووقف مخططات التقسيم المزعومة والحد من النفوذ الإيراني والمساهمة الفعالة في إعادة الإعمار، إيماناً بأن موقع الدولة السورية يحمل بُعد استراتيجي قوي، أما الدول الغربية فقد تعاملت بحذر في تقديم الدعم للحكومة الانتقالية، مع اشتراط وجود خطوات حقيقية نحو حكم شامل يضمن مشاركة جميع المكوّنات ويمنع صعود أي حكومة دينية متطرفة تؤثر على المنطقة وبالتحديد الجوار الاسرائيلي.
تحديات الداخل السوري
المستقبل السياسي للبلاد يعتمد على بناء مؤسسات ذات قاعدة صلبة، وإطلاق عملية مصالحة وطنية تعالج الماضي وتضع أساساً لثقافة سياسية جديدة، مع عقد اجتماعي يحدد شكل الدولة ونظام الحكم وضمانات الحقوق والحريات لأن المشوار لا يزال طويلاً أمام الحكومة الحالية في العمل على قضايا التنمية والتعليم وقضايا المرأة. لكن المسار محفوف بالمخاطر! فهناك فرصة لبناء دولة مدنية إذا توافرت الإرادة السياسية وتم استغلال الدعم الدولي الإيجابي. وفي المقابل؛ يظهر هناك وجود لاحتمال الانزلاق إلى أنماط الحكم الإقصائي أو العنف مجدداً والانفصال، إذا فشلت المرحلة الانتقالية في تلبية تطلعات السوريين.
استشرافاً للمستقبل، يمكن تحديد بعض القوى المحلية التي سيكون لها أثر جوهري، بداية من قوات سوريا الديمقراطية التي تحاول السيطرة بوضوح على الشمال الشرقي، والمكوّن الدرزي في السويداء والذي يسعى بشكل فعلي للانفصال عن الحكومة الحالية ويدعو إلى الحكم الذاتي بدعم من إسرائيل، والحكومة الانتقالية التي تواجه مطالبات الداخل وقوى الخارج.
إذ بدأت فعلياً قوات سوريا الديموقراطية في التحرك ضمن شبكة أوسع وإقامة مؤتمر مكونات شمال وشرق سوريا في أغسطس الجاري، مع حضور لقيادات درزية وعلوية وبعض أتباع النظام السابق ومؤثرين من المجتمع المدني السوري، وتحاول شغل المساحة التي لم تستغلها الحكومة الانتقالية من جمع لأطياف المجتمع المدني والسياسي، في محاولة للتأكيد على الحكومة بأهمية التعددية في الحكومة وتحسين شكل النظام والدعوة لتأسيس حكومة لا مركزية وذلك لغياب الرؤية الواضحة في إدارة الحكومة، إلا أن الحكومة الانتقالية رفضت هذا المؤتمر وأكدت على (قسد) بأهمية الالتزام باتفاق مارس في القصر الجمهوري بين الشرع وعبدي والذي كان يتضمن التأكيد على أن حقوق السوريين في التمثيل والمشاركة السياسية متنوعة بغض النظر عن الدين والعرق.
أما في الجنوب، تسعى السويداء إلى تقديم توازن نوعي بين المطالبة بالحقوق وتجنّب إدخال المحافظة في صراع أهلي طويل الأمد قد يسبب ضرراً كبيراً. لأن قوة روابطها الاجتماعية والاقتصادية تمنحها قدرة تفاوضية، لكنها تعتمد على بقاء طرق الإمداد مستقرة وعلاقاتها متوازنة مع الجوار، إضافة إلى الحذر من تدخلات مؤثرة قد تفجّر الوضع ويؤدي إلى خروج المحافظة عن سيطرة الدروز.
رهانات المستقبل السياسي
خلال الفترة القادمة قد تتجه الأمور إلى أحد ثلاثة مسارات من وجهة نظر الكاتب، فقد يكون التفكك وتجدد الصراعات الداخلية، سيناريو يشير إلى احتمال انزلاق البلاد نحو تفكك فعلي والدخول في صراع مسلح بين أطراف داخلية مدعومة إقليمياً، وقد يُعاد نشأة نموذج “ليبي” في سوريا يؤدي إلى انهيار الحكومة الانتقالية. مع احتمالية تزايد مستوى الصراع وانقسام الأراضي حول قوى متعددة تسعى للهيمنة على حصتها من الأراضي المجزأة. يُرافق هذا السيناريو وجود احتمال متصاعد لظهور تنظيمات متطرفة واستغلال الفجوات الأمنية التي يخلفها هذا التفكك؛ وهو ما أثار قلق الرأي الغربي كما بيّن ذلك وزير خارجية الولايات المتحدة حين حذر من محاولات تنظيم الدولة الإسلامية استغلال الفراغ الناتج عن سقوط حكومة الأسد والتبعات التي تعقب مواجهات السويداء.
السيناريو الثاني يقوم على مصالحات بين أطياف المجتمع والحكومة الانتقالية، عبر التقدم باحتواء تدريجي يهدف إلى بناء دولة مدنية وحكومة تعددية مع توزيع الصلاحيات على المجتمعات المحلية، وذلك لتخفيف حدة الاحتقان وتوفير مساحة للحوار المجتمعي. بهدف زيادة تركيز جهد الحكومة بالتضامن مع الشركاء الإقليميين على دعم مشاريع إعادة الإعمار والمصالحة في آن واحد، ما يمنح الحكومة الانتقالية الوقت الكافي لتنظيم نفسها وتشكيل بنية تحتية مؤسسية راسخة. إلا أن هذا المسار قد يعتبر رضوخاً لنتائج مؤتمر غير شرعي من وجهة نظر الحكومة وبالتالي، عدم الأخذ بجدية أي قرارات مستقبلية تصدر عن طريق الدولة.
السيناريو الأخير يتمثل في استمرار حالة عدم الاستقرار لفترة طويلة، على الرغم من محاولات تجنب الفوضى، إلا أن الاقتصاد المتدهور للبلاد والدمار الشامل على البنية التحتية وكذلك الضغوط الإقليمية المختلفة بين الرفض والتأييد، قد تؤدي إلى بقاء سوريا في حالة هشّة لفترة طويلة دون تقدم حقيقي نحو الاستقرار السياسي. في هذا السياق، يزداد ضعف الدولة وتتفاقم التوترات المجتمعية، بينما تظل المناطق الساحلية والشرقية عرضة لسيطرة أطراف محلية مدعومة من الخارج.
المسار الذي ستسلكه سوريا يعتمد على مؤشرات مثل ردود الأفعال تجاه مؤتمر الحسكة ومستوى التنسيق الدولي للسيطرة على النتائج المتوقعة، وكذلك قدرة دمشق على الحفاظ على القبضة الأمنية والحياد في بعض القضايا وارضاء الأطراف الفاعلة في الدولة السورية. إذ أن تحقق درجة من الضبط والتنسيق قد يسود الاحتواء أو التفاهمات المحدودة؛ أما إذا ساءت ردود الأفعال، فخطر التصعيد سيبقى مرتفعاً.
في النهاية، تبقى رهانات دمشق مرتبطة بقدرة جميع الأطراف على تحويل القوة المسلحة وأفكار التمرد والانفصال إلى أرضية مشتركة تتيح العبور نحو نظام سياسي أكثر استقراراً، مع ضمان حماية المدنيين ومنع تفكك البلاد. الطريق طويل وصعب، لكن فرصة الخروج من دوامة الصراع ما زالت قائمة إذا أُديرت الملفات بسرعة وحكمة وبتوافق واسع.
