منذ سنوات وأنا أبحث في شؤون الأقليات في العالم العربي، لما تحمله من تعقيدات وتداخلات بين الدين والسياسة والانتماء والهوية. وقد لفت انتباهي المسار السياسي للطائفة الدرزية في سوريا، هذه الطائفة التي ظلت في قلب الجغرافيا السورية، لكنها في هوامش المعادلات السياسية الكبرى. هذا المقال محاولة لعرض حالة هذه الطائفة، انطلاقًا من دراسة أكاديمية دقيقة قمت بإعدادها.
تقدم الدراسة تحليلًا معمقًا لوضع الطائفة الدرزية في سوريا بوصفها نموذجاً يبرز هشاشة العلاقة بين الدولة المركزية والأقليات. ينطلق الباحث من فرضية محورية مفادها أن الطائفة الدرزية تمثل نقطة ضعف بنيوية داخل النظام السياسي السوري، نتيجة تفاعل معقد بين العقيدة المنغلقة والموقع الجغرافي والحياد السياسي الذي انتهجته الطائفة عبر عقود.
تاريخياً، لعب الدروز دوراً وطنياً بارزاً، لا سيما خلال الثورة السورية الكبرى بقيادة سلطان باشا الأطرش، لكنهم بعد الاستقلال اتخذوا موقفاً أقرب إلى الانكفاء، خوفاً من الاندماج الكامل في مشاريع الدولة الحديثة، وقلقاً من ذوبان خصوصيتهم العقائدية والثقافية. وقد اختاروا في معظم المحطات التاريخية الوقوف على الحياد، وهو ما جنبهم الدخول في الصراعات، ولكنه في المقابل ساهم في تهميشهم تدريجياً.
خلال حقبة حكم الأسد، انتقل الدروز من الانخراط الرمزي في المؤسسات العسكرية والسياسية، إلى الحياد شبه التام، خصوصًا بعد إقصاء رموز درزية من مواقع النفوذ عقب انقلاب 1966، ما دفع الطائفة إلى تبني استراتيجية الحذر وعدم الدخول في مغامرات سياسية أو عسكرية، وباتت تركز على الأمن المحلي والانضباط الاجتماعي.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011، تجلى هذا الحذر بوضوح، إذ لم تنخرط الطائفة بشكل مباشر لا مع المعارضة ولا مع النظام، وحافظت على توازن دقيق داخل محافظة السويداء، التي ظلت بمنأى عن التطرف والعنف. لكن هذا الحياد لم يكن كافيًا لحمايتها، فتعرضت لهجمات دموية من تنظيم داعش عام 2018، ما دفع إلى تأسيس حركات محلية مسلحة، كان أبرزها “رجال الكرامة”، كوسيلة للدفاع الذاتي وتأكيد الاستقلالية المحلية.
تتناول الدراسة أيضاً التداخلات الإقليمية والروابط العابرة للحدود، خصوصاً بين دروز سوريا ولبنان وفلسطين. ويسلط الضوء على محاولات الكيان الصهيوني لاحتواء الدروز داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة من خلال سياسات “التمييز الإيجابي” وفرض الخدمة العسكرية الإلزامية منذ خمسينيات القرن الماضي، وهي خطوة اعتبرت فصل رمزي وإداري للدروز عن محيطهم العربي.
وعلى الرغم من وجود تيار درزي رسمي يروج للاندماج في مؤسسات الكيان، إلا أن قطاعات شبابية كبيرة بدأت ترفض هذه السياسة، وبرزت حركات احتجاجية تطالب بوقف الخدمة العسكرية والانفكاك عن المشروع الصهيوني، مع التمسك بالهوية العربية والفلسطينية.
وعلى الصعيد السوري، يناقش البحث عدة سيناريوهات لمستقبل الطائفة، يتراوح أبرزها بين الاستقلال الإداري المحلي في السويداء، والاندماج التدريجي ضمن مشروع الدولة، في إطار لامركزية تضمن حقوق الأقليات دون المساس بوحدة البلاد. ويرى الباحث أن السيناريو الأكثر واقعية هو نموذج “الحكم الذاتي ضمن دولة مركزية مدنية” بشرط وجود إرادة سياسية حقيقية وضمانات دستورية تحمي خصوصية الطائفة وهويتها.
كما تشير الورقة إلى تأثير غياب الحليف الإقليمي في إضعاف موقف الدروز في مقابل طوائف أخرى كالعَلَويين والشيعة، الذين نجحوا في بناء تحالفات قوية، ما جعل الدروز يميلون إلى الاعتماد على ذاتهم وعلى الاستقرار الداخلي، بدلاً من خوض مغامرات تحالفية قد تعرضهم للمزيد من التهميش أو الصدام مع المكونات الأخرى.
وتبرز الدراسة كذلك الانقسامات الداخلية داخل المجتمع الدرزي بين التيار التقليدي المتمسك بالهوية الدينية والسرية العقائدية، وبين التيار الشبابي الطامح إلى المشاركة السياسية والعدالة الاجتماعية. هذا الانقسام لا يعد بالضرورة تهديداً، بل قد يسهم -إذا أُحسن إدارته- في تكيّف المجتمع الدرزي مع المتغيرات الإقليمية والدولية.
خاتمة، بين الحذر والمبادرة
ما يستوقفني في تجربة الطائفة الدرزية هو هذا التوازن الحرج الذي تحاول الحفاظ عليه بين الانتماء الوطني والخصوصية الطائفية، بين الحذر السياسي والرغبة في الفعل والمشاركة. لقد شكل الحياد لها درعاً وقائياً في لحظات كثيرة، لكنه تحول في أحيان أخرى إلى قيد حد من قدرتها على التأثير وتحصيل الحقوق.
هذه التجربة ليست حالة معزولة، بل تختصر أسئلة أعمق تعاني منها الأقليات في عالمنا العربي: كيف نحافظ على خصوصيتنا دون أن ننفصل عن نسيجنا الوطني؟ كيف نطالب بحقوقنا دون أن نتهم بالانقسام؟ وكيف نكون شركاء حقيقيين في صناعة القرار، لا مجرد مكون محايد يُستدعى عند الحاجة ثم يُعاد إلى الظل؟
ربما كانت سوريا الحديثة بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد، يعيد الاعتبار لفكرة المواطنة المتساوية، ويمنح الأقليات فضاءً عادلاً للوجود والمشاركة. وفي قلب هذا التحول، يمكن للطائفة الدرزية أن تستعيد دورها الوطني الريادي، الذي لطالما تميزت به في لحظات التحول الكبرى.
