سوريا بعد الحرب: السياسات العامة كمدخل لإعمار مستدام

بقلم: أحمد آل حموض | مايو 2025

بعد أكثر من عشر سنوات من الحرب، تواجه سوريا تحديات تفوق إعادة إعمار البنية التحتية، لتشمل إصلاحات جذرية في السياسات العامة والأنظمة الاقتصادية والقانونية. فالبلاد تعاني من انهيار اقتصادي حاد، ارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانهيار الخدمات الأساسية، إلى جانب عزلة مالية عمّقتها العقوبات الغربية.

تحول دولي ولكن بشروط

شهد مايو 2025 تحولاً مفصلياً بإعلان الرئيس الأمريكي رفع العقوبات عن سوريا، بدعم من وساطة سعودية. هذه الخطوة فتحت الباب أمام إمكانية انخراط دولي وإقليمي محدود في جهود الإعمار. لكن هذه الانفراجة لن تكون فعالة دون إصلاحات داخلية حقيقية تعزز الشفافية وتحسن بيئة الأعمال وتحدث البنية التشريعية.

الواقع الاقتصادي والكفاءات السورية

  • 70% من السوريين تحت خط الفقر (تقديرات 2018).
  • 33% معدل البطالة.
  • الليرة فقدت أكثر من 90% من قيمتها منذ 2010.
  • انهيار الخدمات الأساسية: الكهرباء، المياه، الصحة، والتعليم.
  • أكثر من 7 ملايين لاجئ خارج البلاد.
  • سوريا من بين الدول الأربع الأسوأ عالمياً في مؤشر الشفافية.
  • وتشير البيانات إلى أن نحو 39% من السوريين في المهجر هم من أصحاب المؤهلات العلمية والمهنية (أطباء، مهندسون، أكاديميون). هؤلاء يمثلون فرصة هائلة في جهود الإعمار، لكنها لا تزال غير مفعّلة في ظل غياب سياسات واضحة لعودتهم ومشاركتهم.

التعليم والصحة في خطر

الحرب أخرجت آلاف المدارس عن الخدمة وحرمت جيلاً كاملاً من التعليم، وخلّفت فجوة تعليمية حادة. كما تدهورت خدمات الصحة العامة، وانتشرت الأمراض المزمنة، وانهارت منظومات المياه والكهرباء. كل ذلك جعل من الحياة اليومية تحدياً وجودياً للمواطن السوري.

التوصيـــات الرئيسية

1. إصلاح تشريعي شامل

  • تحديث القوانين المتعلقة بالاستثمار، العمل، الضرائب، التعليم، والقضاء.
  • تأسيس هيئة مستقلة لصياغة السياسات العامة ومتابعة تنفيذ الإصلاحات.
  • تعزيز الشفافية ومكافحة الفساد الإداري الذي يشكل عائقًا بنيويًا للتنمية.

2. تمكين الكفاءات السورية في المهجر

  • إنشاء برنامج رسمي يُشرف على عودة الكفاءات تحت ضمانات قانونية وأمنية، ووضع خطة وطنية لاستقطاب العقول السورية من الخارج.
  • تقديم حوافز مهنية وسكنية وضريبية للراغبين بالعودة، وتقديم إعفاءات من القيود البيروقراطية، وتسهيل الاندماج المهني.
  • تسهيل مشاركتهم عبر برامج زيارات مؤقتة ومشاريع استشارية.
  • إنشاء مناطق تنموية مخصصة للعائدين لتوفير بيئة مستقرة وآمنة، ودعم بناء بنية تحتية خاصة للعائدين (تعليم، سكن، نقل، خدمات).

3. إطلاق مشاريع اقتصادية إنتاجية

  • التركيز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
  • دعم الاستثمار في الزراعة و الطاقة المتجددة.
  • تهيئة بيئة قانونية وتنظيمية مشجعة للاستثمار المحلي والأجنبي.
  • إعادة تأهيل قطاعات التعليم والصحة كأولوية.

4. تحويل الإعمار إلى فرصة لبناء الدولة

  • الانتقال من “إدارة الأزمة” إلى “إعادة بناء الدولة”.
  • ربط عملية الإعمار بمسار سياسي يضمن تمثيل مختلف فئات المجتمع.
  • إشراك المجتمع المدني والقطاع الخاص في التخطيط والتنفيذ.

خلاصة

سوريا أمام فرصة تاريخية لتحويل لحظة التعافي إلى مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، وليس فقط ترميم ما دمّرته الحرب. ويتطلب ذلك وجود قيادة سياسية رشيدة، ومؤسسات مستقلة، وسياسات عامة مدروسة تشرك السوريين جميعًا، في الداخل والمهجر، ضمن مسار طويل الأمد للتنمية والاستقرار.


المرجع:
أحمد آل حموض، سوريا بعد الحرب: السياسات العامة كمدخل لإعمار مستدام، مايو 2025.
Ahmed Alhamodh, Post-War Syria: Public Policy as an Entry Point for Sustainable Reconstruction, May 2025.